عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
الـمـقـدمـــــــة
:
:
تعرفت إلى القديس العربي المعظم في الشهداء، حارث بن كعب النجراني، يوم شرفني سيادة المتروبوليت قسطنطين "بابا استفانو" بحمل إسمه، وتعلقت به، غير أن القليل المتوفر عن أخباره في كتاب السواعي الكبير حفزني للإستقصاء عن كل معلومة عنه، ثم أزكى فيني سيادة الأسقف استفانوس حداد رحمه الله الرغبة في معرفة المزيد عن مسيحيي الجزيرة العربية، بما كان يمليه علي من أخبار التاريخ العربي عن مسيحيي نجران في المخطوطات البلمندية التي تحمل الأرقام 131 و 153 و 154.
ثم لفت انتباهي الأب سمير خليل اليسوعي، الغني عن التعريف في مجال نشر التراث العربي المسيحي، إلى ما جاء في فهرس جورج غراف عن المخطوطات العربية، فتبين لي أن قصة استشهاد القديس حارث ورفقائه موجودة بأكملها في مخطوطتين عربيتين في دير القديسة كاترينا في سيناء، هاتان المخطوطتان هما sa.428 و sa.535؛ وموجود منها ورقتان فقط في مخطوطة عربية في برمنجهام.
:
:
ويعود تاريخ كتابة المخطوطة العربية المنشورة، التي في دير القديسة كاترينا في سيناء تحت رقم sa.428 إلى القرن العاشر الميلادي، وفيها رواية عن استشهاد القديس الحارث بن كعب ومن معه من أهل مدينة نجران. غير أن هذه الرواية لا تنحصر بالحديث عن استشهاد القديس الحارث وحده، إذ تورد أسماء آخرين، لكن أهم ما فيها هو أنها تقوم بتوثيق أحداث مهمة من الصراع المسيحي اليهودي الذي قام في جنوب غرب الجزيرة العربية، في البلاد الحميرية، في الربع الأول من القرن السادس الميلادي، والذي كانت نتيجته إستشهاد عدد كبير من المسيحيين.
وتذهب الرواية إلى القول أن صدى هذه الأحداث لم ينحصر في البلاد الحميرية بل انتشر خبرها إلى البلاد المحيطة بها وبلغ الدول العظمى في ذلك الحين، الروم والفرس والأحباش، فسارع الروم والأحباش إلى نجدة مسيحيي الجزيرة العربية في ما يشبه الحلف العسكري المرتكز على تفاهم وتعاون سياسيين.
:
:
يرسم مطلع الرواية الأطر الزمنية والسياسية والجغرافية وحتى الدينية للأحداث التي تؤرخها الرواية، ويصف البلاد الحميرية بالمختلفة المذاهب ويحدد سبأ مركزا للوجود اليهودي بنسبة عالية فيما نجران مركز للتواجد المسيحي بنسبة عالية، وأن الإقتتال بينهما له تاريخ طويل كان للأحباش يد فيه بسبب مساندتهم للمسيحيين الحميريين على أساس ديني.
تبدأ الأحداث في الرواية عندما استعاد "دنحاس" اليهودي الملك في سبأ، بعد أن أقصاه الأحباش أول مرة، فقام بقتل الحاميات العسكرية الحبشية فيها ثم توجه نحو نجران وحاصرها ستة أشهر من دون أن يتمكن من دخولها بالقوة، فلجأ إلى الحيلة والمكر متعهدا بعدم التعرض لأهل المدينة إن هم دفعوا له خراجا.
لكنه حالما دخل نكث بعهده وانتقم حتى من عظام أسقفهم بولس المتوفى، وأحرق 427 من الكهنة والرهبان وقيد أشراف المدينة ومن بينهم الحارث.
وتذهب الرواية في وصف تنكيله بالمؤمنين من المسيحيين لتقول أنه قتل 4252 نفسا و 227 من النساء المكرسات وسيدة المدينة "دهما" مع ابنتيها قبل أن يستشهد القديس الحارث، الذي قدم اعتراف إيمان وتنبأ، ومعه جمع من الشبان.
ثم تنتقل الرواية بعدها لتصف استشهاد امرأة مع طفلها ذي الأربع سنوات الذي حاور الملك أيضا واعترف بإيمانه بالمسيح ثم لحق بأمه وهي في النار.
وأخيرا تذكر الرواية قصة رضيع نطق مشجعا أمه على الإستشهاد في سبيل الإيمان الحق.
ولا تتوقف الرواية هنا، بل تكمل لتقول أن "دنحاس" هذا، بعد أن بسط سلطته على كل البلاد الحميرية، دعا ملك الحيرة وملك فارس لاضطهاد المسيحيين في بلادهما، لكن كتاب دعوته ورد أثناء انعقاد مؤتمر سلام بين الروم والفرس كان فيه المناذرة حاضرين أيضا.
فقام وفد الروم بنقل الأنباء إلى ملكهم "يوستين" الذي بدوره كتب إلى "تيموثاوس" بطريرك الإسكندرية وإلى "الأسباس" ملك الحبشة لينجدا مسيحيي نجران، وذلك بسبب قربهما منهم، واضعا طاقاته تحت تصرفهما.
وارتفعت حماسة ملك الحبشة مع قدوم رسول من نجران فتجهزت حملة برية ضد الملك الحميري لكنها أخفقت، ثم تجهزت حملة ثانية بحرية كان نصيبها النجاح، فقضي على "دنحاس" ومعاونيه.
ومع عودة الملك للمسيحيين أرسل بطريرك الإسكندرية أسقفا من عنده يرعى شعب البلاد الحميرية ويعيدبناء الكنائس فيها.
وتختم الرواية تلك الأحداث بأن نصرة الله لملك الحبشة وتمكينه من تثبيت المسيحية في البلاد الحميرية تركا في نفسه الأثر الكبير، ما دفعه إلى أن يتخلى عن تاج الملك ويصير راهبا.