(6)
ولما كان من الغد، امر اللعين ان يوتى بالحارث القديس مع من كان معه محبوس، وكان عددهم ثلثماية رجل واربعين رجل، ثم قال: "لك اقول ايها الحارث الخبيث المعتق في ايام السو القديمة، لاي شي لم تشبه اباك الذي كان ريس المدينة والكور، وكانت له منزلة عند كل من كان قبلي من الملوك لنصحه وحرصه على مبالغة رضاهم؟
غير انك هممت بالنفاق وظننت في نفسك انك تكون ملك هذه المدينة وحولها، ورجاك بانسان مات موتة سو، وهو الذي سما نفسه الاها.
وقد رجوت انت ان تفلت من يدي، فالان فاشفق على نفسك وعلى كبر سنك، واحفظ شيباتك، وكن شيخا كريما، واحيي نفسك ومن كان معك ماخوذا ومغلولا.
فاما ان تكفر بالذي يقال له المسيح والا فانت تموت بموت سو كنحو من مات من النسا الاتي سبقنك، لانه لا يستطيع بن مريم ويوسف ان يخلص كل من قتلته في مدينتك وفيما يلي ارض سبا، ولا يقدر ان ينجيكم من يدي".
!
عند ذلك اجابه الحارث الكريم بالحق وقال: "اني في حزن شديد من النصارى المومنين كلهم وايضا منجل النصارى الذين في هذه المدينة، لاني قد قلت لهم وحرصت بهم كم من مرة، وامرتهم الا يفتحو ابواب المدينة فلم يطيعوني.
واشرت عليهم ايضا ان نخرج اليك فنقاتلك دون شعب المسيح فلم يرضون بذلك.
وانا كنت واثق، متكل على المسيح انا نغلبك ونقتلك ومن معك، وان كان معك الوف كثيرة، كما كان مع جدعون الذي قاتل بثلثماية رجل فغلب بعون المسيح.
انه هو المسيح ورضاه يكون، وهذه ماية الف وخمسة وثلثين الف اتت الينا منجل خطايانا، فلذلك لقينا ما ترى واسلمنا في يديك، وانت لم تاتي بصدق قط على فاك".
فقالوا له جلسا الملك: "هكذا يعلمك كتاب النصارى ان تجاوب الملوك؟ اما تعلم ان ملوك اليهود مسحا الرب؟"
اجاب الشيخ القديس وقال له: "زد في قولك قول الياس النبي حيث قال له اخاب ملك بني اسرائيل: "اني وجدتك مفسد اسرائيل". فاجابه عند ذلك الياس النبي وقال له: "بل انت المفسد، واهل ابيك المفسدين".
لانه ليس يخطي من وبخ ملكا حين يكفر ويتبع غير الناموس، فكيف لم يستح هذا ان يقول لي ان اكفر بالمسيح، كلمة الله، التي بها خلق كل شي في السما وفي الارض، وبها خلق الخلايق كلها: ما يرى وما لا يرى؟ وهو الذي نظر الى خلقه محبوسين في فخ الشيطان فلم يدعهم ولكن جعل لهم ناموس ووصية ليودب الناس بترك المعصية والاخذ بالطاعة.
فاما اسرائيل فما عمل من الشر ودب عليه، ثم رحمهم الله ايضا عندما ردهم من بابل، وان الخلق الذي خلق الله، على صورته وتمثاله، تهتك حين رفض بوصايا الله. فمنجل ذلك، المسيح الاهنا تنازل لمحبته فاتخذ الواقع، وصلب الخطية في جسده الذي اتخذ لنفسه، فصار ذبيحة لله الاب، بالجسد الموخوذ منا ومن جميع الناس.
فكيف اكفر بالذي صنع الينا هذا الخير كله وخلص جميعنا؟
ولعلي لا احيا في هذه الدنيا ساعة واحدة حتى لا تبقا فيه حياتي، وتريد انت ان تغربني من ملكوت السما؟".
"وانت ايه الملك الكاذب ملك ضعيف، حلفت لنا واعطيتنا عهدك، ثم لم تفي لنا بعهدك ولا بما حلفت، ولقد رايت ملوك وسادة في الهند وفي الحبشة وفي هذه الارض ولم ارى مثل الذي رايت منك، وكان عهدهم صادق، وان في العالم، الامم والقبايل وجميع الجنود يخضعون لهم بطاعة الله الذي جعلهم يملكون".
"وانا اقول لك ايها الملك علما يقينا: اني لا اتبع رايك اذ انت مجدفا على الله، رب المجد، العزيز العظيم، وان لي سلطان على نفسي فليس ازول عن الاعتراف بالله. وبحق طوبا لي لاني في كبر سني وانا اليوم بن خمسة وسبعين سنة فجعلني المسيح الاهي مستاهلا ان اموت منجل اسمه. والان عرفت ان الله يحبني. ولقد كانت ايام حياتي كثيرة في هذه الدنيا وكان لي فيها بنون ورايت بنين اربع قرون، ولقد حضرت معاركا كثيرة مختلفة وسلمني منها المسيح. وانا افرح ايه الملك ان كبري كمل في شهادته مع شهادة هاولي القديسين".
"وانا ارجو من ربي المسيح، الذي اسواني ان اموت على اسمه ان لا ينتقص اسمي وذكري من هذه المدينة، وانا اصدق كما ان شجرة الكرم اذا نصبت في ايانها تطعم تمرة كتيرة، وكذلك سيكثر في هذه المدينة من النصارى وفي جميع ارض سبا.
وانا اقول لك ايها الملك، والله يشهد لي، انه ستعمر هذه الكنيسة التي انت احرقتها، واعلم ان الله سيقيم ملك في هذه الارض، ملك للنصارى، ويسقط ملكك ويبيدك ويبطل دعوتك وتقع سريعا".
!
ثم ان الحارث القديس التفت الى الشهدا القديسين الذين كانوا معه وصاح اليهم بصوت عالي وقال: "قد اسمعتكم ياخوتي ماذا كلمت به الفاجر الظالم!"
فاجابوه وقالوا: "نعم يا ابتاه الكريم قد سمعنا".
ثم قال لهم: "كيف ترون الشهادة؟ هل منكم احد خايفا ام جزعا من شر هذا الملك الملعون، فليعتزل عنا".
فقالوا له القديسين جميعا: "انا نقر بالله ونتقوا يا بونا بانا في هذه الشهادة جميعا نموت معك على اسم المسيح، وليس منا احد يفارقك".