(2)
فأما أهل المدينة فكانوا يجاوبون من فوق ويقولون "نحن أيها الملك نعبد الله الذي خلق كل شيء بكلمته، التي كان بها كل شيء، وروحه القدس الذي يحيي، وليس نعرف نحن كثرة الآلهة، ولكنا نعبد ونؤمن باللاهوت واحدة بثلاثة أقانيم، الأب والإبن وروح القدس، كيان واحد. فهو إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، كما كرزوا لنا رسله القديسين الذين أضاءوا العالم بتعليم الحق وهدوا الناس إلى سبيل الهدى، وحققوا الحق اليقين في تحقيق الحق وتصديق كلام الأنبياء الذين من قديم الدهر تبنوا وأخبروا جميع الناس بعلم الحق، لمن اتبع قولهم وصدق كتابهم وقبل ما أتوا به من عند الله، وليس فيما أتوا به من عند الله تشبيه ولا باطل، ولكنه حق واضح. وكذلك كانوا آباؤنا إبراهيم واسحاق ويعقوب وموسى وهارون وصامويل وداوود وجميع الأنبياء يؤمنون".
حينئذ غضب الملك الملعون الذي كان يرى على الناموس ولكنه كان على غير ناموس، وجعل يحاصرهم ستة أشهر بمكايدة شديدة، فلم يستطيع أن يحرك مدينة كان أساسها على صخرة الأمانة بالمسيح، التي هي مثل صهيون الشامخة - أورشليم - التي الجبال حولها والله محدق بها، وشعبه إلى الأبد.
فناصب الملك الملعون لأهل تلك المدينة العداء، ولم يدع أحد ممن كان حول المدينة، في البساتين والمزارع إلا جمعهم، منهم من قتل ومنهم من وهبهم للعبودية لعظماء جيشه ورؤساء قومه.
فلما علم الملعون أنه لا يستطيع لأهل المدينة لا بمكيدة ولا بمقاتلة ولا بشيء مما حاصرهم به، وكانوا أهل المدينة يخرجون في كل حين على غفلة فيغيرون على عسكره ويقتلون خلق كثير ويدخلون مدينتهم، فلما رأى ذلك الملك الملعون، تشبه بالشيطان الذي كان هو قاتل الإنسان منذ القديم، بعث إلى الذين يخافون الله ويعبدونه، وجعل يحلف لهم بأيمان الناموس العظام ويقول "إني لا أضر أحد من أهل المدينة ولا أهرق فيها دم ولا أكلف أحد أن يجدف بما يعبد من الدين، ولا أريد إلا أن أصير عليكم خراجا تؤدونه إلي، وأدخل المدينة فأنظر إليها وأعرف كيف هي، وأعطا منكم ما أنا أهله في هذه السنة، على أني أصير على رأس كل رجل وامرأة، حر كان أو عبد، شيخ كان أو صبي، أو فلاح أرض أو صانع، أجعل عليهم خراج مثقال واحد".
وزن هذا المثقال إثنا عشر قيراطا بوزن الروم، وتلك السكة كان قد صيرها ملك سبأ.
فكان ما يجتمع من ذلك القانون على ما شرط الملعون من أهل مدينة نجران من أرطال الذهب ألف وستمائة وتسعين رطلا.
فأما محبين الله الذين كانوا في المدينة فإنهم كانوا معتادين أن يخضعون للوصايا المقدسة التي أوصى بها المسيح المخلص.
فقالوا له "أيها الملك، إنا نحن تعلمنا من الناموس ومن الأنبياء والرسل، التلاميذ المقدسين، أن نعبد الله ونخضع للملوك فيما ينبغي، فنحن فاتحين المدينة لك لتدخلها أنت ومن أحببت، وأعلم أنك إن غدرت ولم تفي بما حلفت وقلت، فإن لنا إلها قادر أن يعيننا ويرد شرك على رأسك وعلى ملكك، وأن لم تفعل ذلك فإنا قائلون لك كما قالوا الثلاثة الغلمة، حننيا وعازريا وميصايل، أنا لا نعبد إلهك ولا نقر بتجديفك ونحن نرى أن الموت لنا ربح منك وعلى ذلك فنحن بالمسيح الذي مات من أجلنا وأحيانا بموته، فنحن به أحياء".
فلما قالوا ذلك فتحوا باب المدينة.